ابن قيم الجوزية

86

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه . وكذلك ذكر البغوي وأبو الفرج بن الجوزي قال : على علمه السابق فيه أنه لا يهتدي . وذكر طائفة منهم المهدوي وغيره قولين في الآية ، وهذا أحدهما ، قال المهدوي : فأضله اللّه على علم علمه منه بأنه لا يستحقه . قال : وقيل : على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر ، وعلى الأول يكون « على علم » حال من الفاعل ، المعنى : أضله اللّه عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه ، وعلى الثاني حال من المفعول ، أي : أضله اللّه في حال علم الكافر بأنه ضال . قلت : وعلى الوجه الأول ، فالمعنى : أضله اللّه عالما به وبأقواله وما يناسبه ويليق به ، ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده ، وأنه أهل للضلال ، وليس أهلا أن يهدى ، وأنه لو هدى لكان قد وضع الهدى في غير محله وعند من لا يستحقه ، والرب تعالى حكيم ، إنما يضع الأشياء في محالّها اللائقة بها ، فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدّر عليه الضلال ، وذكر العلم إذ هو الكاشف المبيّن لحقائق الأمور ، ووضع الشيء في مواضعه ، وإعطاء الخير من يستحقه ومنعه من لا يستحقه ، فإن هذا لا يحصل بدون العلم ، فهو سبحانه أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه ، وهو سبحانه كثيرا ما يذكر ذلك مع إخباره بأنه أضل الكافر كما قال : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 ) [ الأنعام ] . وقال تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( 26 ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 ) [ البقرة ] .